سيد محمد طنطاوي
26
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقال صاحب الكشاف ما ملخصه : وقوله : * ( يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . . ) * إنما تمنى علم قومه بحاله ، ليكون علمهم بها سببا لاكتساب مثلها لأنفسهم ، بالتوبة عن الكفر ، والدخول في الإيمان . . وفي حديث مرفوع : « نصح قومه حيا وميتا » . وفيه تنبيه عظيم على وجوب كظم الغيظ والحلم عن أهل الجهل والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي ، والتشمر في تخليصه ، والتلطف في افتدائه ، والاشتغال بذلك عن الشماتة به ، والدعاء عليه ، ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته ، وللباغين له الغوائل وهم كفرة وعبدة أصنام . . « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما نزل بأصحاب القرية من عذاب أهلكهم فقال : * ( وما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِه مِنْ بَعْدِه ) * : أي : من بعد موته . * ( مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ ) * لأنهم كانوا أحقر وأهون من أن نفعل معهم ذلك . * ( وما كُنَّا مُنْزِلِينَ ) * أي : وما صح وما استقام في حكمتنا أن ننزل عليهم جندا من السماء ، لهوان شأنهم ، وهوان قدرهم . * ( إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ) * أي : ما كانت عقوبتنا لهم إلا صيحة واحدة صاحها بهم جبريل بأمرنا . * ( فَإِذا هُمْ خامِدُونَ ) * أي : هامدون ميتون ، شأنهم في ذلك كشأن النار التي أصابها الخمود والانطفاء ، بعد أن كانت مشتعلة ملتهبة ، يقال . خمدت النار تخمد خمودا . إذا سكن لهيبها ، وانطفأ شررها ، وخمد الرجل - كقعد - إذا مات وانقطعت أنفاسه . وهكذا كانت نهاية الذين كذبوا المرسلين ، وقتلوا المصلحين ، فقد نزلت بهم عقوبة اللَّه - تعالى - فجعلتهم في ديارهم جاثمين . وبعد أن بين - سبحانه - سوء مصارع المكذبين ، أتبع ذلك بدعوة الناس إلى الاتعاظ بذلك من قبل فوات الأوان ، فقال - تعالى - : * ( يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِه يَسْتَهْزِؤُنَ ) * . والحسرة : الغم والحزن على ما فات ، والندم عليه ندما لا نفع من ورائه ، كأن المتحسر قد انحسرت عنه قواه وذهبت ، وصار في غير استطاعته إرجاعها . و « يا » حرف نداء . و « حسرة » منادى ونداؤها على المجاز بتنزيلها منزلة العقلاء .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 11 .